لقد
نص المنظم في نظام الإثبات على جملة من القواعد العامة التي يجب مراعاتها
والالتزام بها في الإثبات، وفي مقالنا سوف نستعرض أهم القواعد العامة للإثبات في
النظام بشيء من التفصيل وذلك على النحو الآتي:-
أولا:- على المدعي أن يثبت حقه وعلى المدعى عليه أن ينفي الدليل
الأصل
في الإنسان براءة ذمته من أي حق يتعلق به لصالح الغير فعلى من يدعي حقا له على
غيره أن يقوم بالإثبات وقد حدد المنظم طرق الإثبات كالشهادة والكتابة والخبرة والمعاينة واليمين وغيرها من وسائل
وطرق الإثبات فيجب على من يدعي الحق إثباته فالعبرة ليست بما يطلبه المدعي أمام
القضاء وإنما العبرة بما يمكنه إثباته، وللمدعى عليه الحق في نفي هذا الإثبات،
وذلك لحديث " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر".
وقد
نص المنظم السعودي على هذه القاعدة حيث جاء ذلك في نص المادة الثانية، الفقرة
الأولى من نظام الإثبات بقولها " على المدعي أن يثبت ما يدعيه من حق، وللمدعى
عليه نفيه".
ثانيا:- عدم جواز حكم القاضي بعلمه الشخصي
فالقاضي
لا يحكم ولا يفصل في النزاع بعلمه الشخصي وإنما يحكم بما بين يديه من أوراق
ومستندات وحقائق وأدلة وبراهين مقدمة من الطرفين، فهذا المبدأ يقضي بأن القاضي حتى
ولو كان يعلم بأمور قد تفيد في حسم النزاع فلا يجوز له أن يحكم بعلمه الشخصي وهذا
ما جاء نص في المادة الثانية ، الفقرة الثالثة من نظام الإثبات بقولها " لا
يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي"، وهذا هو الأصل ، ونود الإشارة هنا إلى
وجود مبدأ أخر وهو حياد القاضي فقد يندرج تحت هذا المبدأ وهو أن دور القاضي سلبي
في الإثبات فلا يساعد أحد الخصوم في الإثبات وإنما يكتفي بما يقدم له من أوراق
ومستندات.
ثالثا:- لا يجبر الشخص على تقديم دليل ضد نفسه
الأصل
أنه لا يجوز إجبار شخص على تقديم ما تحت يديه من أوراق أو مستندات لتؤخذ كدليل
ضده، ولا يجوز إجباره على تقديم دليل ضد نفسه فلا يطلب منه أن يقوم بجلب شاهد لنفي
ادعائه، ولو لاحظنا أن هذا المبدأ هو مكمل لمبدأ على المدعي أن يثبت حقه فكيف لنا
أن نقوم بإجبار المدعى عليه أن يقوم بإثبات حق المدعي فهنا نكون أمام تناقض غريب!.
ومن
ذلك استثناء على الأصل أجاز المنظم للخصم أن يطلب الزام خصمه بتقديم محررات تكون
تحت يده حيث نصت المادة الرابعة والثلاثين من نظام الإثبات السعودي على " يجوز
للخصم أن يطلب من المحكمة إلزام خصمه بتقديم أي محرَّر منتج في الدعوى يكون تحت
يده في الحالات الآتية:
أ- إذا
كان النظام يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه.
ب- إذا
كان المحرَّر مشتركاً بينه وبين خصمه، ويعد المحرَّر مشتركاً على الأخص إذا كان
لمصلحة الخصمين، أو كان مثبتاً لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة.
ج- إذا
استند إليه خصمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى".
نخلص
من ذلك بالقول أن الأصل هو عدم جواز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه ولكن
الاستثناء هو طلب الخصم من المحكمة أن تلزم خصمه بتقديم أي مستند أو محرر يكون تحت
يده وبالشروط المذكور أعلاه في نص المادة الرابعة والثلاثين.
رابعا:- رأي الخبير لا يقيد المحكمة
فالمحكمة
كما يقال هي خبيرة الخبراء، صحيح أن القاضي غير مُلم بجميع أنواع العلوم والفنون
فالقاضي ليس بطبيب ولا مهندس ولا مقاول ولا تاجر فقد يحتاج إلى رأي خبير في مسألة
فنية لا تتوافر لدى القاضي ومع ذلك لا يعد رأي الخبير ملزما ومقيدا للقاضي فيمكنه
الأخذ به ويمكنه عدم الأخذ به .
خامسا:- البينة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة
يقصد
بهذه القاعدة أن البينة حجة متعدية بمعنى أنها تسري على الجميع فمن ذلك على سبيل
المثال المحررات الرسمية فهي حجة على
الكافة كأصل عام فالمحرر الرسمي يعد في نظر المنظم بينة كتابية تحريرية يمكن
الاستعانة بها في إثبات الالتزام أو نفيه، بينما الإقرار حجة قاصرة بمعنى أن
الإقرار لا يسري إلا على المُقر وحده، فمثلا لو جاء زيد وأقر بأنه هو وصديقه محمد
قد اقترضوا مبلغ من عبد الرحمن وأقر بهذا
الدين عن نفسه وعن صديقه محمد فهنا نقول أن إقرار زيد في حق نفسه صحيح بينما
إقراره في حق زيد باطل كون الإقرار حجة قاصرة على المُقر فلا يحق للشخص أن يقر عن
غيره، إلا إذا ورد نص نظامي على خلاف ذلك كما في حجة إقرار الأوصياء والأولياء على
القصر وغيرهم.
ومن
الجدير ذكره أنه يشترط في المقر أن يكون عاقلا بالغا مختارا غير مجبر وغير محجور
عليه .
سادسا:-
يجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالدعوى، ومنتجة فيها، وجائزاً قبولها
هنا
اشترط المنظم السعودي أن تكون الوقائع التي يريد الخصم إثباتها أن تكون متعلقة
بالدعوى محل النزاع فلا يجوز أن تكون الدعوى المنظورة أمام المحكمة هي قضية عمالية
ونزاع عمالي بينما الوقائع التي يراد إثباتها من قبل المدعي هو واقعة متعلقة بحادث
سير مثلا فما علاقة القضية العمالية بحادث السير فهنا لا يقبل القاضي هذا الإثبات.
كذلك
يجب أن تكون منتجة في الدعوى أي لها أثر وفائدة في الدعوى فمثلا لو افترضنا أن عمر
أقام دعواه أمام القضاء يطلب زيد بمبلغ 5000 ريال سعودي، ومن ثم جاء زيد المدعى
عليه وأقر بهذا المبلغ المترصد في ذمته لعمر، إلا أن عمر رفض إقرار زيد وطلب من
القاضي سماع الشهود على صدق دعواه وأن الشهود كانوا حاضرين في مجلس العقد وأنهم
علموا بالنزاع، فهنا القاضي لا يستجيب لطلب عمر كون الوقائع التي يريد إثباتها غير
منتجة في الدعوى فلا يهمنا سبب المديونية وباقي التفاصيل هنا لأن المدعى عليه جاء
وحضر الجلسة وأقر بالمبلغ فالنزاع انتهى فلا حاجة لسماع الشهود كون أن هذا الأمر
غير منتج في الدعوى.
ويجب
أن تكون الوقائع المراد إثباتها جائزا قبولها أي أنها غير مخالفة للنظام العام فلو
ادعى شخص بأنه يريد مبلغا من آخر وسبب المديونية أو محل الدين هو لعب القمار فهنا
تكون الواقعة مخالفة للنظام العام وبالتالي غير جائز قبولها
